محمد بن عبد الله بن علي الخضيري

101

تفسير التابعين

الرأي ، التأويل ، وأثرهما على المنهج العقدي عند مجاهد : وهذه المسألة في الحقيقة من أهم القضايا التي يجب العناية بها والوقوف عندها ، وتحقيق أبرز ما يمكن أن يروى فيها . من المعلوم أن مجاهدا - رحمه اللّه - ممن تربى في مدرسة حبر الأمة وترجمان القرآن ، وممن شهد له بالسبق في تأويل القرآن بين التابعين ، وكان يأمر بتدبر القرآن وفهمه ، ويحث على تعلم معانيه وما دلت عليه ألفاظه ، وكان يرى أن الراسخين يعلمون المتشابه منه ، فقد أخرج ابن جرير عن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد ، قال : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يعلمون تأويله ، ويقولون آمنا به « 1 » . وأورد البخاري في صحيحه تعليقا عن مجاهد في قوله : مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ قال : الحلال والحرام ، وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ : يصدق بعضها بعضا ، كقوله تعالى : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ، وكقوله جل ذكره : وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ، وكقوله : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ ؛ ثم قال : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يعلمون تأويله و يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ « 2 » . إضافة إلى هذا كله كان - رحمه اللّه - يرى أن الرأي الحسن - في القرآن - من أفضل العبادة « 3 » . فأمضى وقته ، واستفرغ جهده في مدارسة كتاب اللّه ، وتفهم معانيه ، والكشف عن دلالاته ومراميه ، فكان من المكثرين في تفسير القرآن ، بل عدّه ابن خلدون « 4 » من أكثر تلاميذ ابن عباس تحررا وتوسعا في التفسير .

--> ( 1 ) تفسير الطبري 6633 ( 6 / 203 ) ، وينظر تأويل مشكل القرآن ( 99 ) ، وتفسير ابن عطية ( 3 / 21 ) ، والبحر المحيط ( 2 / 384 ) ، وزاد المسير ( 1 / 354 ) ، وتفسير القرطبي ( 4 / 12 ) . ( 2 ) صحيح البخاري كتاب التفسير ، باب منه آيات محكمات ( 5 / 165 ) . وقد وصل ابن حجر هذا المعلق في التغليق ( 4 / 190 ) ، وفي الفتح ( 8 / 209 ) ، من رواية عبد بن حميد ، وينظر إيضاح الوقف لابن الأنباري ( 2 / 565 ) ، والمكتفي في الوقف والابتداء ( 196 ) . ( 3 ) كتاب الإيمان لابن أبي شيبة ( 16 ) ، وتأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ( 74 ) . ( 4 ) عن كتاب دراسات في القرآن لأحمد خليل ( 112 ) .